مصطفى صادق الرافعي
59
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
الأيام مثل خبره لغير هؤلاء العرب ، حتى كأنما زويت لهم جوانب الأرض ، وكأنما كانوا حاسبين يمسحونها ؛ لا غزاة يفتحونها ؛ فلا يبتدئ السيف حساب جهة من جهاتها حتى تراه قد بلغ بالتحقيق آخره . ولا يكاد يشير إلى ( قطر ) من أقطارها إلا أراك كيف تدور عليه ( الدائرة ) . وإن هذا الأمر لحقيق أن تذهب من تعليله نفوس الحكماء في ألوان من المعاني متشابه وغير متشابه ، فإنما هو أمر إلهي كيفما أدرته رأيت في جانبه الذي يليك ضوءا كضوء الصواعق ، وحركة كحركة الزلازل ، وقوة كالتي تتسلط بها السماء على الأرض ، فكأنما تتأمل منه صورة الطبيعة ، أو الطبيعة المعنوية في عالم التاريخ . ولو أن رمال الدهناء « 1 » نفضت على الأرض جنودا عربية لما عدت أن تكون آفة اجتماعية تهلك الحرث والنسل ، وتدع الشعوب متناثرة كبقايا البناء الخرب ، ثم لا تكون إلا أيام يتداولونها بينهم حتى تتنفس الأرض من بعدهم فتذهب آثارهم الظالمة في حر أنفاسها ، وتنقضي أعمالهم فتنطوي من الزمن في أرماسها ، إذ كان لا يهجم على الأرض منهم أكثر من أمر البطون الجائعة وما إليها . . . ولعمرك ما العرب وما غير العرب من الشعوب البادية إلا بطونهم ، حتى لأحسبهم إذا اجتمعوا كانوا معدة الأرض . وكان أهل السّرف في فنون الملاذ من الحضريّين أمعاءها . وما أظن مرجع ذلك إلى غير القرآن ، بل أنا مستبصر في صحة هذا المعنى ، مستيقن أنه مذهب التعليل إلى الحقيقة بعينها ؛ لأن القرآن هو صفي تلك الطباع ، وصقل جوانب الروح العربية ، حتى صارت المعاني الإلهية تتراءى فيها وكأنها عن معاينة . فكأنما كان العرب يقطعون الأرض في فتوحهم ليبلغوا طرفا من أطراف السماء فينفذوا إلى ما وعدهم اللّه ويتصلوا بما أعدّ لهم . ولو لم يكن القرآن قد سلك إلى ذلك مسلكه ، من الفطرة اللغوية في نفوسهم حتى استبد بها في مستقرها ، وصرفها في وجوه معانيه - ما بلغ من القوم رأيا ولا نية ، ولأوشك أن يكون في مقامات البيان عندهم وما يهتف به شعراؤهم وخطباؤهم - ما يذهب به جملة ويمسح أثره في القلوب ، ولا يدع له مساغا إلى ما وراء السمع ، لأن هؤلاء تنفث عليهم ألسنتهم بأفصح الفصيح وأبين البيان في رأي العرب ، وإن لم يكن كلامهم بتلك المنزلة ، ولكن الحمية والعصبية واللحمة ومؤاتاة الهوى ، كلها فصيح وكلها بيان ، وليس الشأن في اللغة وألفاظها ومعانيها ، وإنما الشأن فيما يمكن أن تفهمه النفس من كل ذلك ؛ وهي لا تفهم إلا ما يكشف عن طبائعها ويبين عن أخلاقها وعاداتها . ولولا اختلاف النفوس في هذا الفهم ما رأيت اللغة الواحدة عند أهلها كأنها
--> ( 1 ) من ديار بني تميم ، وهي سبعة أجبل من الرمل ، ويكثر ذكرها في كلام الشعراء .